المنهاجي الأسيوطي

358

جواهر العقود

فإن القصد منها التصريح الذي يؤمن معه الاختلاط والالتباس . ويكون الشاهد منه على بصيرة . ولو أخذنا في استقصاء أبواب العقود لضاق الوقت عن ذكر الواقع ، واتسع الخرق على الراقع . وأما بيان معرفة ما يحتاج إليه موقع الحكم - وهو الذي يسجل على الحاكم إثباتاته وأحكامه ، حتى عرف بها ، وصار مقصودا بسببها من بين العدول لمعرفته باصطلاحها وشروطها - : فقد سبق في مقدمة هذا التأليف ما يتعلق بذات موقع الحكم ، وما يشترط فيه من حسن السيرة والنزاهة ، والعفة والديانة والصيانة ، والمروءة وبروز العدالة . وما ينبغي له فعله من الأمور اللائقة به وبأمثاله . والكلام الآن في هذا المحل على تصحيح أهليته ، قبل الكلام على بيان ما يكتبه . فإنه من كالشرط من المشروط ، أو كالركن من الماهية الذي لا قيام لها بدونه ، ويتوقف وجودها على وجوده . فأقول : يشترط في كاتب الحكم أن يكون حرا بالغا عاقلا ، غير أصم ولا أعمى ، ولا به آفة من الآفات ، عدلا عفيفا . ضابطا لما يقع في المجلس ، شريف النفس ، طاهر العرض والذيل ، كثير الحياء ، قليل الطمع ، غاض الطرف ، خبيرا بما يطلب منه من تحمل شهادة ، وما يوافق من ذلك ظاهر الشرع ، عليه الوقار والسكينة ، ثقيل الرأس ، قليل الكلام ، سريع الادراك ، عالما بالشروط . واصطلاح الحكام . عنده طرف من النحو ، بحيث تكون كتابته مصانة عن التحريف والتصحيف واللحن الفاحش ، واقفا عندما يشهده القاضي عليه من غير أن يزيد من عنده عبارة يكون فيها إجمال ، أو يظهر ما فيه إجمال مما وقع به القاضي ، بل يقتصر على ذلك التوقيع الذي وقع به بعبارته ، إن كان على طريقة الشاميين . وإن كتب على طريقة المصريين ، إذا كان توقيع الحاكم له ليسجل خاصة فينزل الاثبات والحكم على موضعه السائغ في مذهب ذلك الحاكم . وإن كان فيه شئ لا يسوغ في مذهبه ولا يندرج تحت الحكم . صرح في إسجاله بثبوت ما قامت به البينة عنده فيه من كذا وكذا . ويسكت عن ذكر ما لا يندرج تحت الحكم . فإن الموقع في الحكم عليه في طريقة المصريين بدار القاضي في بيان صفة حكمه . وأن يكون موقع الحكم صاحب يقظة ، بحيث إن القاضي إذا سها عن شئ ينبهه عليه بينه وبينه ، من غير إظهار ذلك السهو لاحد ممن يكون حاضر المجلس . وإن نبهه عليه بعد قيامه من المجلس سرا كان أولى .